العيني

199

عمدة القاري

الصبح ثم يعلو ، عز وجل ، على كرسيه ) ، وفي إسناده فضيل بن سليمان النميري ، وهو وإن أخرج له الشيخان فقد قال فيه ابن معين ليس بثقة . وأما حديث عقبة بن عامر فرواه الدارقطني من رواية يحيى بن أبي كثير عنه ، قال : ( أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا مضى ثلث الليل ، أو قال نصف الليل ، ينزل الله عز وجل ، إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي أحدا غيري ) ، قال الدارقطني : وفيه نظر . وأما حديث عمرو بن عنبسة فرواه الدارقطني أيضا في ( كتاب السنة ) من رواية جرير بن عثمان ، قال : حدثنا سليم بن عامر بن عمرو بن عنبسة ، قال : ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله . . ) الحديث ، وفيه : ( إن الرب ، عز وجل ، يتدلى من جوف الليل ) ، زاد في رواية الآخر : ( فيغفر إلاّ ما كان من الشرك ) ، زاد في رواية : ( والبغي والصلاة مشهودة حتى تطلع الشمس ) . وأما حديث أبي الخطاب فرواه عبد الله بن أحمد في ( كتاب السنة ) بإسناده ( عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له أبو الخطاب ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر ، فقال : أحب إلي أن أوتر نصف الليل ، إن الله يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا فيقول : هل من مذنب ؟ هل من مستغفر ؟ هل من داع ؟ حتى إذا طلع الفجر ارتفع ) . قال أبو أحمد الحاكم وابن عبد البر أبو الخطاب ، له صحبة ولا يعرف اسمه . ذكر معناه : قوله : ( ينزل ) ، بفتح الياء ، فعل مضارع : والله ، مرفوع به . وقال ابن فورك : ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بضم الياء من : ينزل ، يعني : من الإنزال . وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين . وكذا قال القرطبي : قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف ، أي : ينزل الله ملكا . قال : والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ، عز وجل ، يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له . . ؟ ) الحديث ، وصححه عبد الحق وحمل صاحب ( المفهم ) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم ، فإنه قال فيها : ( يتنزل ربنا ) ، بزيادة : تاء ، بعد : ياء المضارعة ، فقال : كذا صحت الرواية هنا ، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد ( ينزل ) ، على أحد التأويلات ، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير ، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول : من يقرض غير عدوم ولا ظلوم ، ويكون قوله : ( إلى السماء الدنيا ) ، عبارة عن الحالة القريبة إلينا ، والدنيا بمعنى : القربى ، والله أعلم . ثم الكلام هنا على أنواع . الأول : احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى ، وقالوا : هي جهة العلو ، وممن قال بذلك : ابن قتيبة وابن عبد البر ، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني ، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة ، وقد تعالى الله عن ذلك . الثاني : أن المعتزلة أو أكثرهم : كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج ، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب ، وهو مكابرة ، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا . وذكر البيهقي في ( كتاب الأسماء والصفات ) : عن موسى بن داود ، قال : قال لي عباد ابن عوام ، قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة ، قال : فقل : يا أبا عبد الله إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث ؟ قال : فحدثني نحو عشرة أحاديث في هذا ، وقال : أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم عمن أخذوا ؟ وقد وقع بين إسحاق بن راهويه وبين إبراهيم بن صالح المعتزلي ، وبينه وبين منصور بن طلحة أيضا منهم كلام ، بعضه عند عبد الله بن طاهر بن عبد الله المعتزلي ، وبعضه عند أبيه طاهر بن عبد الله . قال إسحاق بن راهويه : جمعني وهذا المبتدع ، يعني إبراهيم بن صالح ، مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها ، فقال إبراهيم : كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء . فقلت : آمنت برب يفعل ما يشاء . قال : فرضي عبد الله كلامي وأنكر علي آبراهيم ، وقد أخذ إسحاق كلامه هذا من الفضيل بن عياض ، رحمه الله ، فإنه قال : إذا قال الجهمي : أنا أكفر برب ينزل ويصعد ، فقلت : آمنت برب يفعل ما يشاء ، ذكره أبو الشيخ ابن حبان في ( كتاب السنة ) ذكر فيه : عن أبي زرعة ، قال : هذه الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ، قد رواه عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي عندنا صحاح قوية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ينزل ) ولم يقل : كيف ينزل ، فلا نقول : كيف ينزل ؟ نقول ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى البيهقي في ( كتاب الأسماء والصفات ) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت أبا محمد بن أحمد بن عبد الله المزني يقول :